ابن أبي الحديد

205

شرح نهج البلاغة

مدينة جيرفت بإزائهم ، فقال له عبيدة بن هلال : يا أمير المؤمنين ، إن أقمت لم آمن هذه العبيد عليك ، إلا أن تخندق على نفسك ، فخندق على باب المدينة وجعل يناوشهم ، وارتحل المهلب ، وكان منهم على ليلة ، ورسول الحجاج معه يستحثه ، فقال له : أصلح الله الأمير ! عاجلهم قبل أن يصطلحوا ، فقال المهلب : إنهم لن يصطلحوا ، ولكن دعهم فإنهم سيصيرون إلى حال لا يفلحون معها ، ثم دس رجلا من أصحابه ، فقال : ائت عسكر قطري ، فقل : إني لم أزل أرى قطريا يصيب الرأي ، حتى نزل منزله هذا ، فظهر خطؤه : أيقيم بين المهلب وعبد ربه ، يغاديه القتال هذا ، ويراوحه هذا ! فنمى الكلام إلى قطري ، فقال : صدق : تنحوا بنا عن هذا الموضع ، فإن اتبعنا المهلب قاتلناه ، وإن أقام على عبد ربه رأيتم فيه ما تحبون . فقال له الصلت بن مرة : يا أمير المؤمنين ، إن كنت إنما تريد الله فأقدم على القوم ، وإن كنت إنما تريد الدنيا فأعلم أصحابك حتى يستأمنوا ، ثم قال : قل للمحلين قد قرت عيونكم * بفرقة القوم والبغضاء والهرب كنا أناسا على دين فغيرنا * طول الجدال وخلط الجد باللعب ما كان أغنى رجالا قل جيشهم * عن الجدال وأغناهم عن الخطب إني لأهونكم في الأرض مضطبا * مالي سوى فرسي والرمح من نشب ثم قال : أصبح المهلب يرجو منا ما كنا نطمع منه فيه . وارتحل قطري ، وبلغ ذلك المهلب ، فقال لهزيم بن أبي طحمة المجاشعي : إني لا آمن أن يكون كاذبا بترك موضعه ، اذهب فتعرف الخبر ، فمضى الهزيم في اثنى عشر فارسا ، فلم ير في المعسكر إلا عبدا وعلجا ، مريضين فسألهما عن قطري وأصحابه ، فقالا :

--> ( 1 ) الكامل : ( ضل سعيهم ) .